فخر الدين الرازي

62

تفسير الرازي

ثم شققنا الأرض شقا ( 26 ) فأنبتنا فيها حبا ( 27 ) وعنبا وقضبا ( 38 ) وزيتونا ونخلا ( 29 ) وحدائق غلبا ( 30 ) ( المسألة الأولى ) قوله ( صببنا ) المراد منه الغيث ، ثم انظر في أنه كيف حدث العيث المشتمل على هذه المياه العظيمة ، وكيف بقي معلقا في جو السماء مع غاية ثقله ، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة ، حتى يلوح لك شئ من آثار نور الله وعدله وحكمته ، وفى تدبير خلقة هذا العالم . ( المسألة الثانية ) قرى إنا بالكسر ، وهو على الاستئناف ، وأنا بالفتح على البدل من الطعام والتقدير ( فلينظر الانسان ) إلى أنا كيف ( صببنا الماء ) قال أب على الفارسي من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعامه كما أنه قوله ( لهم مغفرة ) تفسير للوعد ، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال ، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه ، فهو كقوله ( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) وقوله ( قتل أصحاب الأخدود ، النار ) . قوله تعالى ( ثم شققنا الأرض شقا ) والمراد شق الأرض بالنبات ، ثم ذكر تعالى ثمانية أنواع من النبات : ( أولها ) الحب : وهو المشار إليه بقوله ( فأنبتنا فيها حبا ) وهو كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما ، وإنما قدم ذلك لأنه كالأصل في الأغذية . ( وثانيها ) قوله تعالى ( وعنبا ) وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه . ( وثالثها ) قوله تعالى ( وقضبا ) وفيه قولان : ( الأول ) أنه الرطبة وهي التي يبست سميت بالقت ، وأهل مكة يسمونها بالقضب وأصله من القطع ، ذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى ، وكذلك القضيب لأنه يقضب أي يقطع . وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبى عبيدة والأصمعي . ( والثاني ) قال المبرد القضب هو العلف بعينه ، وأصله من أنه يقضب أي يقطع وهو قول الحسن . ( والرابع والخامس ) قوله تعالى ( وزيتونا ونخلا ) ومنافعهما قد تقدمت في هذا الكتاب . ( وسادسها ) قوله تعالى ( وحدائق غلبا ) الأصل في الوصف بالغلب الرقاب فالغلب الغلاظ الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب ، ثم ههنا قولان : ( الأول ) أن يكون المراد وصف كل حديقة بأن أشجارها متكاثقة متقاربة ، وهذا قول مجاهد ومقاتل قالا الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض ، يقال اغلولب العشب واغلولبت الأرض إذا التف عشبها .